gocorporation
download
كتاب التوحيد - 20
323
عناصر المادة:

(من الأحاديث والآثار في أن الغلو في قبور الصالحين) الغلو بمعنى مجاوزة الحد في قبورهم؛ لأن القبور لها حق علينا من وجهين؛ الوجه الأول: ألا نُفَرِّط فيما يجب لها بالإهانة والجلوس عليها وما أشبه ذلك، والوجه الثاني: ألا نغلو فيها حتى نجاوز الحد. ففي صحيح مسلم أن علي بن أبي طالب قال لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثُك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا تَدَعَ صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مُشْرِفًا إلا سويته. القبر الْمُشرِف الذي يتبين عن سائر القبور لا بد يُسوَّى بالقبور، لماذا؟ لئلا يُظن أن هناك خصيصة لصاحب هذا القبر، ولو فيما يأتي من الزمن البعيد، فيكون ذلك وسيلة إلى الغلو فيه. وقوله: (يصيرها أوثانًا)، الأوثان جمع (وَثَن)، والوَثَن ما نُصِب للعبادة، كل ما نُصب للعبادة فإنه وَثَن، ويقال له أيضًا: صنم، ولكن ظاهر كلام المؤلف أن كل ما يُعبد يُسمَّى وثنًا، وإن لم يكن على تمثال نُصُب؛ لأن القبور قد لا يكون لها تمثال ينصب على القبر فيُعبد. (روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ). مالك هو ابن أنس الإمام المشهور أحد الأئمة الأربعة، وكتابه الموطأ أيضًا مشهور، وهو من أصح الكتب؛ لأنه رحمه الله تحرى فيه صحة السند، ولقربه أيضًا وعلو سنده؛ هو يعتبر عالي السند؛ لأنه من شيوخ البخاري فهو أرفع منه وأقرب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكون سنده عاليًا، وكلما كان السند أعلى كان إلى الصحة أقرب، وهو مشهور، وفيه مع الأحاديث المرفوعة آثار عن الصحابة، وفيه أيضًا كلام وبَحْث ومناقشة للإمام مالك نفسه رحمه الله. وقد شرحه كثير من أهل العلم، ومن أوسع شروحه وأحسنها لا من حيث الرواية ولا من حيث الدراية التمهيد لابن عبد البر، وهو الآن والحمد لله تيسَّر طبعه، وفيه علم كثير على الكتاب أعني التمهيد. (أن رسول الله قال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»). طالب: يقول في الشرح: إنه مُرسَل. الشيخ: إي نعم، هذا مرسل عن عطاء بن يسار، عن النبي عليه الصلاة والسلام، وظاهر كلام المؤلف أنه متصل. طالب: (...). الشيخ: لا، ما هو من طريق مالك. طالب: (...). الشيخ: (...). وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه متصل؛ لأنه إذا قيل: رواه البخاري في صحيحه، أو رواه مالك في الموطأ أو ما أشبه ذلك فإنه لا يُعرَف مثل هذا التعبير إلا إذا كان الحديث متصلًا من طريق هذا الراوي، ولعل في النسخة سقطًا ما بيَّنَه الكاتب. قال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا»، اللَّهُمَّ أصلها (يا الله)، فحذفت يا النداء لماذا؟طالب: (...). الشيخ: طيب لماذا؟طالب: لأجل البداءة باسم الله. الشيخ: البداءة باسم الله، صح، وعُوِّض عنها الميم. طالب: كأنها (...). الشيخ: نعم، فكأن الداعي جمع قلبه على الله، وكانت في الآخر من أجل ما ذكر محمد لأجل البداءة باسم الله. وقوله «لَا تَجْعَلْ»، لا ناهية، ولكن ليس المراد هنا النهي؛ لأن النهي لا يصدر من المخلوق للخالق، لكن المراد به الدعاء، «لَا تَجْعَلْ» لا تُصَيِّر، و«قَبْرِي» مفعولها الأول، و«وَثَنًا» مفعولها الثاني، و«يُعْبَدُ» صفة لـ(وَثَن)، وهي صفة كاشفة؛ لأن الوثن هو الذي يُعْبَد من دون الله. «لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»، وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لأن ممن قبلنا من جعلوا قبور أنبيائهم مساجد، وعبدوا صالِحين، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه ألا يجعل قبرَهُ وثنًا يُعْبَد؛ لأنه عليه الصلاة والسلام دعوته كلها بالتوحيد ومحاربة الشِّرْك. ثم قال: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، «اشْتَدَّ» بمعنى عظم، و«غَضَبُ اللَّهِ» ما المراد به؟قال أهل التأويل: المراد بغضبه الانتقام ممن عصاه، وبعضهم يقول: المراد به إرادة الانتقام ممن عصاه. وهذا تأويل بل هو في الحقيقة تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما قال: انتقمَ الله، قال: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ»، والرسول عليه الصلاة والسلام يعرف كيف يُعَبِّر، ويعرف الفرق بين غضب وبين انتقام، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: وهو عليه الصلاة والسلام أنصح الخلق وأعلم الخلق بربه، ما يمكن يأتي بكلام وهو يريد خلافه، لو أتى بكلام وهو يريد خلافه لكان ناصحًا ولَّا مُلبِّسًا؟طلبة: مُلَبِّسًا. الشيخ: لكان ملبسًا وحاشاه أن يكون كذلك. فالغضب غير الانتقام وغير إرادة الانتقام، الغضب صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل تليق بجلاله، لا تُشبه غضب المخلوق، لا في الحقيقة ولا في الأثر، غضب المخلوق حقيقته غليان الدم، أو غليان دم القلب، جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى يثور. أما غضب الخالق فإنه صفة لا تشبه هذا؛ لأن الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]. فغضَب الآدمي يؤثر آثارًا غير محمودة دائمًا الذي يغضب دائمًا يمكن يقتل نفسه، يطلق زوجته يكسر فناجيله إلى آخره، أليس كذلك؟ طالب: بلى. الشيخ: إي نعم، لكن غضب الله عز وجل لا يمكن أن يترتب عليه مثل هذا؛ لأنه حكيم جل وعلا، ما يمكن أن يترتب على غضبه إلا تمام الفعل المناسب الواقِع في محله، فصار غضب الله تعالى ليس كغضب المخلوقين، لا في حقيقته، ولا في آثاره. واضح يا جماعة؟إذا قلنا بأن لله غضبًا لا يُشبه غضب المخلوقين لا في حقيقته ولا في آثاره هل نحن وصفنا الله بما يشبه صفات المخلوقين؟طالب: لا. الشيخ: أبدًا، بل وصفنا الله بصفة تدل على القوة؛ لأن الغضب يدل على قدرة الغاضب على الانتقام؛ ولهذا إذا ضربك أبوك تغضب عليه؟ طلبة: لا. الشيخ: ما تغضب عليه، تزعل منه صحيح، لكن ما تغضب عليه، لكن لو أن ولدك يسيء تغضب عليه ولَّا لا؟ تغضب عليه؛ لأنك تحس بأنك قادر على الانتقام منه، لكن أبوك ما تقدر. فالغضب يدل على قوة وقدرة في الغاضب يستطيع أن يُنَفِّذ ما أراده فهو صفة كمال، وليس صفة نقص، وإن كان قد يترتب عليه نقْص بالنسبة للمخلوق أما بالنسبة للخالق فلا يترتب عليه نقص أبدًا. ويدلك على بطلان تأويل الغضب بالانتقام قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥]، فَلَمَّا آسَفُونَاويش معنى آسَفُونَا؟ طلبة: أغضبونا. الشيخ: أغضبونا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ، فجعل الانتقام هو الغضب ولَّا غيره؟طالب: غيره. الشيخ: غير الغضب أثرًا منه من الغضب، فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَافدل هذا على بطلان تفسير الغضب بالانتقام وهو أمر قد بيناه لكم في شرحنا على العقيدة السفارينية وقلنا: إن كل من حرَّف نصوص الصفات عن حقيقتها، وعما أراد الله بها ورسوله فإنه لا بد أن يقع في ذلة وفي مهلكة، وأن الواجب علينا أن نُسَلِّم بما جاء به الكتاب والسنة من صفات الله سبحانه وتعالى. وقوله: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . أي: جعلوه مساجد لكونهم؟ طالب: (...). الشيخ: وذكرنا فيما سبق أن اتخاذ القبور مساجد له وجهان؟طالب: إما يصلي عندها. الشيخ: إما بالصلاة عندها.طالب: أو: باتخاذها مساجد. الشيخ: أو: ببناء المساجد عليها. فالصلاة عند القبور من اتخاذها مساجد كما أن بناء المساجد عليها من اتخاذها مساجد قال: («اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ولابن جرير بسنده عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم: ١٩])، سؤالنا الآن: هل أجاب الله دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن قبره وثنًا يُعبد؟ (...)على هذه اللغة يصح أن محمدًا رسول الله؛ لأننا نحن لا نشك أن العوام الذين يقولون: أشهد أن محمدًا (رسولَ) الله؛ لا نشك أنهم يريدون الخبر، ما فيه إشكال بس أخطؤوا في النطق، فما داموا يريدون الخبر وفي لغة نقول: هي إن شاء الله صحيحة، مثل: (الله واكبر) فيه ناس يقولون: (الله واكبر) أو لا؟ ما رأيكم في هذا؟ طالب: كذلك يا شيخ. الشيخ: هذا لا بأس به؛ لأن اللغة تُجَوِّز إبدال الهمزة إذا ضُمَّ ما قبلها واوًا، وهنا مضموم ما قبلها (الله واكبر)، وهذا أيضًا من المسائل اللي الحمد لله يعني ريحتنا ولَّا بالأول الإنسان تعبان من بعض المؤذنين، يأتي هذا، ويأتي هذا. أجيبوا عن السؤال، هل أجاب الله سبحانه وتعالى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجعل قبره وثنًا يُعبد، أم أن حكمته اقتضت عدم الإجابة؟ لأنه ليس كل ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام يستجاب، قد تكون حكمة الله سبحانه وتعالى تأبى ذلك، ما رأيكم؟ طالب: أجاب دعوته. الشيخ: إي، ابن القيم يقول: إن الله أجاب دعوته فلم يُؤْثَر أن الرسول عليه الصلاة والسلام جُعِل قبره وثنًا أبدًا، بل إنه صلى الله عليه وسلم حُمِيَ قبره بثلاثة جُدران، هذه الثلاثة جُدران محمية غاية الحماية، ما أحد يصل إليه حتى يجعله وثنًا يُعبد من دون الله، ولم نسمع -والحمد لله- بالتاريخ أنه جُعِل وثنًا، صحيح أن فيه ناس الآن يغلون فيه لكن ما وصلوا إلى أن يجعلوه وثنًا، وإنما قد يعبدون الرسول ولو في محل بعيد. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، يتوجَّه، يدعو الله.طالب: (...). الشيخ: (...) الرسول. طالب: ويبكون. الشيخ: عجيب. طالب: ويطوفون. الشيخ: إي، الطواف ليس معناه أنهم جعلوه وثنًا يُعْبَد، إنما نتكلم عن الدعاء، هل يتوجهون إليه ويدعونه؟طالب: إي نعم.طالب آخر: (...). الشيخ: أعوذ بالله! هذا يقول: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ [الأنفال: ٣٢]؛ يعني إن كان هذا باطلًا (...) أبطل منه. قبر رجل صالح فعبده، ثم هذا الباب له صلة بما قبله وهو (أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تُعْبَد من دون الله) يعني يؤول الأمر بالغالين إلى أن يعبدوا هذه القبور أو أصحابها. وقوله: (تُعبد مِنْ دون الله)، أي من غيره وهو شامل لما إذا عُبِدت وحدها، أو إذا عُبِدَت مع الله؛ لأن الواجب في عبادة الله إفرادها، فإذا قُرن بها غيره ما صارت عبادة لله، وقد ثبت أن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» . وقوله: (الغلو)، معنى الغلو؟ مجاوزة الحد مدحًا أو ذمًّا، والمراد هنا مدحًا ولَّا ذمًّا؟ مدحًا. وقوله: (في قبور الصالحين)، يشمل الأولياء والأنبياء بل ومن دونهم. وقوله: (أوثانًا)، جمع (وَثَن)، والوَثَن كل ما اتُّخِذ معبودًا سوى الله فهو وثن بخلاف الصنم، فإن الصنم تِمثال ممثل، والوَثَن أعم. طالب: الوثن لا يدخل (...) الصورة أما التمثال فيدخل فيه الصورة؟ الشيخ: التمثال هو الصنم، كل صنم فهو وَثَن، وليس كل وَثَن صنمًا. طالب: الصورة (...)؟ الشيخ: لا، ما تدخل، الصنم ما عُبِد من دون الله على شكل تمثال. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: («اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ). وهذا تقدم الكلام عليه (...)، ولكن لو علمت (...)، والآن أناقشكم في هذا، ما هي القرينة أو المناسبة بين الجملة الأولى في الحديث والثانية؟ قال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ». ثم قال: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ» المناسبة بين الجملتين؟ طالب: أن العبادة عند قبر رجل صالح أو عبادة هذا القبر لا تجوز، فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ربه ألا يجعل قبره وثنًا يُعْبد.. الشيخ: السؤال الآن: وجه المناسبة بين الجملة الأولى والثانية؟الطالب: لأن غضب الله.. الشيخ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» و: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ». الطالب: لأن غضب الله اشتد على أناس اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فسأل الرسول ربه ألا يجعل قبره وثنًا يُعْبد. الشيخ: ذكرناها. طالب: في قوله: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (...). الشيخ: وسيلة. طالب: وسيلة إلى عبادتهم.الشيخ: إلى عبادتهم إي نعم (...). طالب: نقول مثلما قال (...). الشيخ: إي، لا، هذا (...) السبب؛ لأن اتخاذها مساجد يؤدي إلى عبادتها. قوله: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ» في الحديث إثبات الغضب لله، هل الغضب حقيقي ولَّا هو مجاز عن الانتقام؟ طالب: لا، حقيقي ولكن لا يُشبِه غضب المخلوقين. الشيخ: حقيقي، ولكن لا يشبه غضب المخلوقين، لا في حد ذاته ولا في آثاره. قوله: لا في حد ذاته كيف (...)؟ طالب: (...). الشيخ: لا، في حد ذاته يعني الغضب لا يُشبِه عضب المخلوق، لا في ذات الغضب، ولا في آثار الغضب؟ طالب: أن غضب المخلوق (...)، أما غضب الله فلا يشبه (...). الشيخ: إي نعم؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، ولا في آثاره؟ طالب: (...) أيضًا الآثار المترتبة على الغضب (...). الشيخ: كيف ذلك؟ طالب: يعني غضب المخلوق معروف آثاره.الشيخ: وغضب الله معروف إذا غضب انتقم. طالب: غضب الله لا يُشبه غضب المخلوق. الشيخ: نعم. طالب: لأن غضب المخلوق قد يؤدي إلى ظلم الآخرين، أو التعدي، وغضب الله ما يؤدي إلى (...). الشيخ: نعم، وذكرنا غضب المخلوق يؤدي إلى سوء التصرف، ما هو ظلم الآخرين، لا يظلم أحدًا، هو نفسه مثلًا يكسر ماله، يخرب سيارته، يُطلِّق زوجته ولَّا لا؟ لكن غضب الله ما يتأتى فيه هذا الشيء؛ لأن فعل الله كله مقرون بالحكمة التي هي ضد السفه، أما غضب المخلوق فإنه يقرنه السفه كثيرًا؛ ولهذا حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منه لما قال: أوصني قال: «لَا تَغْضَبْ» . من الذين فسَّروا الغضب بالانتقام؟ وهل تفسيرهم صحيح؟طالب: الذين فسَّروا الغضب بالانتقام هم الأشاعرة. الشيخ: نعم، الأشعرية، وهذا ليس بصحيح، ليش؟ طالب: لأن الانتقام هذا أثر من آثار الغضب كما قال تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] فأثبت الغضب وأثبت الانتقام. الشيخ: نعم، والشرط غير المشروط، صح؟ طالب: غضب المخلوق (...). الشيخ: لا (...). طالب: الله سبحانه وتعالى لا يحتاج لغَضَب للانتقام هو خلاف المخلوق. الشيخ: إي نعم، لكن الانتقام هذا غير الانتقام هذا، انتقام هذا انتقام مقرون بالحكمة؛ انتقام الله عز وجل، ووضع الشيء في موضعه، انتقام المخلوق قد تفارقه الحكمة. طالب: (...). الشيخ: (...) الغضب موجود لكن لا يشبه هذا هذا. قال: (ولابن جرير بسنده، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد)، ابن جرير هو محمد بن جرير الطبري، الإمام المشهور في التفسير، وتفسيره أصل التفسير بالأثر هو تفسير ابن جرير، وهذا التفسير مرجع لجميع المفسرين بالأثر، والعجيب أني رأيت من بعض المتأخرين الجهال في الحقيقة هم يقولون: إنهم علماء وهم جُهَّال، يُحذِّرون من تفسيره؛ لأنه مملوء -على زعمهم- بالإسرائيليات، فيُحذِّرون الطلبة من ذلك، ويقولون: عليكم بتفسير الكشاف وما أشبه ذلك، هؤلاء خطيرون عندنا؛ لأنهم لجهلهم بفضل التفسير بالآثار عن السلف واعتدادهم بأنفسهم وإعجابهم بآرائهم صاروا يقولون هذا الرأي، وإلا فإنه مرجع لجميع المفسرين بالأثر، صحيح أن الكتاب لا يخلو من أشياء ضعيفة وكأنه رحمه الله يريد أن يجمع ما رُوِي عن السلف من الآثار في تفسير القرآن الكريم ويدع للقارئ الْحُكم عليها بالصحة أو بالضعف بحسب تتبع رجال السند. وهذه طريقة جيدة من وجه، وليست جيدة من وجه، فمن وجه أننا نجمع الآثار الواردة حتى لا تضيع، وربما تكون طرقها ضعيفة، ويشهد بعضها لبعض فهي من هذه الناحية جيدة، ومن ناحية أن الإنسان القاصِر في العِلْم ربما يخلِط الغَثَّ بالسمين، ويأخذ بهذا؛ وبهذا فيكون ضارًّا لكن مَنْ عَلِم طريقة الرجل عَرَف وراجع مثلًا إذا أشكل عليه الشيء يراجع رجال السند، ويشوف أحوالهم وعن تَكَلُّم العلماء فيهم. ثم الرجل أيضًا مع كونه يفسر بالأثر له أيضًا تفسير بالرأي؛ بمعنى التفسير العقلي، ولا سيما ما يعود إلى اللغة العربية؛ ولهذا دائمًا يرجح الآراء، ويستدل عليها بالشواهد الواردة عن العرب، وكذلك الشواهد الواردة في القرآن، وهذا معروف لمن عَرَف هذا التفسير، إنما التفسير عمدة لكل المفسرين بالأثر، أما هو من الناحية العلمية الفقهية فهو رجل مجتهد، لكنه رحمه الله سلك طريقة خالف غيره فيها بالنسبة للإجماع، فصار لا يعتبر خلاف الرجل والرجلين، وينقل الإجماع لو ثبت خلاف من رجل أو رجلين، ولا يبالي بهم. هذه طريقته، وهذه طريقة في الحقيقة تُؤخذ عليه؛ لأن الإجماع لا بد أن يكون من جميع أهل العلم المعتَبرين في الإجماع، هو قد يكون الحق مع هذا الواحد المخالِف، أليس كذلك؟طالب: بلى. الشيخ: فكوننا ما نعتبر هذا فيه نظر، وعلى كل حال فهو رحمه الله يقول المؤلف عنه: (إنه روى بسنده، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد). سفيان عندنا من المشهورين بهذا الاسم رجلان، مَنْ هما؟طالب: الثوري وابن عيينة. الشيخ: سفيان الثوري وابن عيينة أيهما؟ الطالب: الثوري. الشيخ: طيب بأي طريق نعرف أنه الثوري أو ابن عيينة؟ طالب: (...). الشيخ: ذكرنا فيما سبق أن المبهم يمكن الوصول إلى تعيينه بمعرفة شيوخه وتلاميذه، هنا يقول بالشرح: إن الظاهر أنه سفيان الثوري. عن مجاهد، مجاهد بن جبر المكي، أحد المشهورين، بل هو إمام المفسرين من التابعين، إمام أهل التفسير من التابعين؛ لأنه رحمه الله يقول: إنه عرض المصحف على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته، فما تجاوز آية إلا وقف عندها يسأله عن تفسيرها. وابن عباس لا حاجة إلى أن نقول: إنه إمام في التفسير فهو إمام في التفسير، وله فيه كلام كثير، فهو مجاهد يقول في تفسير قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم: ١٩]، أَفَرَأَيْتُمُ، الهمزة هنا للاستفهام، والمراد به التحقيق، والخطاب لعابدي هذه الأصنام، أفرأيتم أيها العابدون لهذه الأصنام، هذه الأصنام اللات والعُزَّى إلى آخر هذه الآية ذكرت بعد قوله تعالى: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: ١٨]. لما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة المعراج؛ لأن قصة الإسراء والمعراج ذكرت في القرآن الإسراء في أول سورة (سبحان)، والمعراج في أول سورة (النجم)، لما ذكر الله ما حصل في هذا المعراج من الآيات العظيمة قال: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم: ١٨، ١٩]، ما نسبة هذه الأصنام لهذه الآيات العظيمة التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة. قوله: (اللَّاتَقال: كان يلت لهم السَّوِيق فمات فعكفوا على قبره)، وهذا على قراءة اللَّات بالتشديد اسم فاعِل، من لَتَّ يَلِتُّ فهو لاتٍّ، أما على قراءة التخفيف فوجهها أنها خُفِّفت لتسهيل الكلام؛ يعني حُذِف منها التضعيف تخفيفًا. وقد سبق أنهم قالوا: إن اللات من أين؟طالب: (...). الشيخ: من الإله، فعليه يكون هذا أصل الرجل يلتُّ السَّوِيق للحاج، فلما مات عظَّموه وعكفوا على قبره، ثم جعلوه إلهًا، وجعلوا التسمية الأولى مقترنة بالتسمية الأخيره، فيكون أصله من لت السويق، ثم حولوه من ذلك إلى أن جعلوه من الإله، وهذا على قراءة التخفيف اللَّات أظهر منه على قراءة التشديد، التشديد تُرجح أن أصله رجل يَلِت السويق، والتخفيف ترجح أنه من الإله. وأيًّا كان فهذا الصنم صار صنمًا كما هو ظاهر سياق المؤلف؛ لأنهم غلو في قبره أولًا، وقالوا: هذا الرجل الْمُحسِن الذي يحسن إلى الناس ويلت السويق لهم، ويطعمهم إياه، ثم بعد ذلك؟ طالب: عبدوه. الشيخ: عبدوه فصار الغلو في القبور، يصيرها في النهاية أوثانًا تُعْبد من دون الله، وفي هذا التحذير من الغلو في القبور والمغالاة فيها؛ ولهذا نهي عن تجصيصها والبناء عليها والكتابة عليها خوفًا من هذا المحظور العظيم الذي يجعلها تُعبد من دون الله؛ ولذلك إما يبعث الرسول عليه الصلاة والسلام عليه الأمراء، أنه إذا بعثهم لا يدعون قبرًا مُشْرِفًا إلا سوَّوه؛ لأن هذا القبر الْمُشرِف المميز عن غيره لعله مع طول الدهر يقال: لماذا مُيِّز؟ لولا أن له ميزة ما صار يختلف عن غيره من القبور. فالذي ينبغي أن تكون القبور متساوية ما يُخصُّ أحد بشيء منها. طالب: (...). الشيخ: هذا المعنى العربي يمكن؛ لأن الفروق بمادة الكلمة موجودة في هذا وهذا. طالب: (...). الشيخ: (...) على كلام المؤلف أصلها العزيز مُذكر؛ يعني كلها ترجع إلى العزة، وقد سبق لنا أن (...) أهل العربية أن الاشتقاق من المصدر لا من الفعل. طالب: السَّوِيق ما هو؟ الشيخ: السَّوِيق أحسن شيء الظاهر أنه يعرف بتقديمه إلينا. طالب: (...). الشيخ: السويق الشعير يُحَمَّر، ثم يُطحن، ثم يخلط بتمر، أو شبهه ويؤكل. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام. طالب: عندنا السَّوِيق الدخن يا شيخ. الشيخ: الدهن. الطالب: الدخن. الشيخ: الدخن بدون أي شيء؟الطالب: بسمن. الشيخ: يعني يُطبخ بسمن؟الطالب: لا ما يُطبخ، يلت. الشيخ: يحمر؟الطالب: لا، ما يحمر (...). الشيخ: (...).الطالب: (...). الشيخ: عجيب (...) ولا يحمر؟! طالب: (...). الشيخ: على كل حال هو المعروف عندنا أنه الشعير، والظاهر أيضًا أن غير الشعير يصلح، لكن هم يختارون الشعير؛ لأنه أرخص؛ ولأنه ألطف، والشعير له فوائد عظيمة. طالب: أو ما يعرف الدخن. الشيخ: ما يعرفه؛ لهذا يمكن يطالبكم أنكم تسووا له دخنًا علشان يشوفه. طالب: (...). الشيخ: (...) إن شاء الله (...). قال: (كان يلت لهم السَّوِيق فمات فعكفوا على قبره)، يعني ثم عبدوه وجعلوه إلهًا مع الله، والعياذ بالله.(وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يَلِتُّ السويق للحاج ). والغريب أن الناس في جاهليتهم يُكرمون حُجاج بيت الله، هل سواء لله أو لغير الله؟ المهم أنهم يكرمونهم، يلتون لهم السويق، وكان العباس أيضًا يسقي لهم من زمزم، وربما يجعل في ماء زمزم نبيذًا يُحلِّيه زبيبًا أو نحوه، في الوقت الحاضر صار الناس بالعكس يستغلون الحجاج غاية الاستغلال والعياذ بالله حتى يبيعوا عليهم ما يساوي ريالًا بريالين أو أكثر حسب ما يتيسر لهم والعياذ بالله، وهذا في الحقيقة خطأ عظيم؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج: ٢٥]، فكيف بمن يفعل للحاج؟(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ»). القبورَ ولَّا القبورِ؟طالب: القبورِ. الشيخ: (وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجُ . رواه أهل السنن). طالب: (...). الشيخ: أيهم؟ طالب: القبورَ.الشيخ: زائرات القبورَ؟!طالب: القبورَ. الشيخ: لا، الصحيح الكسر؛ لأنها مضاف إليه. قوله: لعن، اللعن بمعنى الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعنى لعنهم أي: دعا عليهم باللَّعْن، وقوله: زائرات القبور، زائرات جمع (زائرة)، والزيارة معناها الخروج إلى المقابر، وهي أنواع: منها ما هو سُنَّة، ومنها ما هو بِدْعة، ومنها ما هو شِرْك. لكن الكلام على قوله: زائرات يعود على النساء، وزائر اسم فاعِل يصدُق بالمرة الواحدة، وفي حديث أبي هريرة: لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ . زوارات بتشديد الواو؛ وهي صيغة مبالغة تدل على كثرة الزيارة. وقوله: «الْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ»، هذا الشاهد من الحديث، المتخذين عليها؛ يعني الذين يضعون عليها مساجد والسُّرُج، وقد سبق أن اتخاذ المساجد على القبور له صورتان؛ الصورة الأولى. طالب: الصلاة عندها. الشيخ: الصلاة عندها، أن يتخذها مصلى يصلي عندها، والصورة الثانية؟طالب: يبني عليها. الشيخ: أن يبني عليها المساجد. وقوله: (السرج) جمع (سراج) يوقد عليها السُّرُج ليلًا ونهارًا تعظيمًا لها وغُلُوًّا فيها. هذا الحديث يدل على تحريم زيارة القبور للنساء بل على أنه من كبائر الذنوب؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب، ويدل أيضًا على تحريم اتخاذ المساجد والسُّرُج عليها ولَّا لا؟ لأنه لُعِنَ فاعله؛ فهو كبيرة من كبائر الذنوب. أين المناسبة في هذا الحديث للباب؟ لأن اتخاذ المساجد عليها وإسراجها غلو فيها، فيؤدي بعد ذلك إلى عبادتها. ما هي الصلة بين الجملة الأولى والثانية؟ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج؟ الصلة بينهما ظاهرة؛ لأن المرأة لرقة عاطفتها، وقلة تمييزها، وضعْف صبرها، ربما تعبد أصحاب القبور تعطفًا على صاحب القبر؛ لأنها ضعفية؛ فلهذا قرنها بالمتخذين عليها المساجد والسُّرُج. هنا المتخذين عليها المساجد، هل يدخل في ذلك ما لو وُضِعَ في المقبرة كهرباء لإنارتها؟طالب: (...). الشيخ: يعنى مثلًا الناس في الليل ما يشوفون، بيحطون لهم مثلًا بيوقفوا لهم عمودًا وفيه لمبات. نقول: أما في المواطِن التي لا يحتاج الناس إليها مثل لو كانت المقبرة واسعة، وفيها مكان قد قبر فيه وانتهى الناس من الدفن فيه فلا شك أنه لا حاجة ولا داعي إلى إسراج هذا المكان الذي قد فُرغ منه، أليس كذلك؟ إذا كان الإسراج عند المكان الذي يُدْفن فيه، فيه قبور مثلًا محفورة ويُسْرج ما حولها، فهذه قد يقول قائل: إنه يجوز فعلها؛ لأنها لا تُسرج إلا بالليل، فليس في ذلك ما يدل على أنها تُسرج تعظيمًا للقبر، بل اتُّخذت للحاجة. ولكن مع ذلك الذي نرى أنه ينبغي المنع مطلقًا؛ أولًا: لأنه ليس هناك ضرورة، والثاني: أن الناس إذا وجدوا ضرورة في ذلك، فعندهم -والحمد لله- سيارات ممكن يوقدون اللمبات اللي فيها، وتبين لهم الأمر، ثم إنه يمكنهم أن يحملوا سُرُجًا معهم كما كانوا يفعلون في الزمن السابق، وأيضًا إذا فُتِح هذا الباب فإن الشر يتسع في قلوب الناس ولا يمكنهم ضبطه فيما بعد، افرض أنه مثلًا جاؤوا في الصباح بعد صلاة الفجر ودفنوا الميت من الذي يتولى قفل هذه الشموع أو هذه الإضاءة؟ تترك، ثم يبقى كأنها متخذًا عليها المساجد (...) السرج. فالذي نرى أنه يمنع نهائيًّا، أما إذا كانت المقبرة حُجرة (...) فيها اللَّبِن وما أشبه ذلك، ووُضِع في نفس الحجرة لمبة فهذه لا بأس بها؛ لأنها بعيدة من القبور، ثم هي داخلة أيضًا ما تُشاهَد، هذا نرجو ألا يكون به بأس. والمهم أن وسائل الشِّرْك يجب على الإنسان أن يبتعد منها ابتعادًا عظيمًا، ولا يُقَدِّر للزمن الذي هو فيه الآن، يُقَدِّر للأزمان البعيدة؛ لأن المسألة ليست بالهينة. في هذا الحديث ما يدل على تحريم زيارة النساء للقبور، وأنها من كبائر الذنوب، والعلماء اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:القول الأول: تحريم الزيارة، بل كونها من كبائر الذنوب؛ لهذا الحديث. والقول الثاني: كراهة الزيارة؛ بمعنى أنه يُكْرَه كراهةً لا تصل إلى التحريم، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد عند أصحابه أنه تُكره للنساء زيارة القبور. والقول الثالث: أنها تجوز للنساء، يجوز للنساء زيارة القبور. ورأيت قولًا رابعا: لكن شيخ الإسلام يقول: ليس عليه أحد من الأئمة؛ أنه يُستحب للنساء زيارة القبور كما يُستحب للرجال، لكن شيخ الإسلام يقول: لم يقل بذلك أحد من الأئمة؛ أن النساء يُستحب لهن زيارة القبور كما يُستحب للرجال، وأن هذا ليس معروفًا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أن النساء يخرجن للمقابر كما يخرج الرجال. حُجَّة القائلين بأنه مُحَرَّم، ومن كبائر الذنوب هذا الحديث الذي معنا: «زَائِرَات الْقُبُورِ»، وحُجَّة القائلين بالكراهة يقولون: إن هذا لعن زائرات القبور، وفيه أمر بزيارة القبور، أمر من النبي عليه الصلاة والسلام: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» . قالوا: فزوروها هذا عامٌّ للرجال..

وهذا من السَّفَه، بل أعظم من ذلك أن بعض الناس يُقَصِّر في الأمور المشروعة، ويكون نشيطًا في الأمور البِدْعية؛ تجده في أمور البِدَع ينشط، ويبذل المال والبدن واللسان في تثبيتها لكن في الأمور الشرعية يكون فاترًا غير نشيط، وهذا من البلاء، فصارت الأعمال أيضًا تتفاضل باعتبار النوعية، ثم الكمية والكيفية، وكذلك النوعية؛ فالفرْض أفضل من النفل، كما أن جِنْس الصلاة أفضل من جنس الصدقة؛ لأن الصلاة أفضل الأعمال البدنية، وهذا الذي تدل عليه الأدلة هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو التفاضل في الأعمال، حتى في الإيمان اللي في القلب يتفاضل الناس فيه، أليس كذلك؟ الإنسان يحس بنفسه أنه في بعض الأحيان يجد في قلبه من الإيمان ما لا يجده في بعض الأحيان، فكيف عاد أن إيماني وإيمان زيد وعمرو وخالد (...) أكثر؟
هذا خلاصة الباب الآن أنه يجب البعد كل البعد عن الشرك ووسائله. (ويُغَلَّظ على مَنْ عَبَدَ الله عند قبر رجل صالح)، الكلام للشيخ محمد رحمه الله: (عبدَ اللهَ)، يشمل الصلاة وغيرها، والأحاديث التي ساقها في أيش؟
طالب: في الصلاة.
الشيخ: في الصلاة، لكنه رحمه الله كأنه قاسَ غيرها عليها، فمن زعم أن الصدقة عند هذا القبر أفضل من غيره فهو شبيه بمن اتخذه مسجدًا؛ لأنه يرى أن لهذه البقعة أو لمن في هذه البقعة شأنًا يفضل به على غيره.
الشيخ رحمه الله عمَّم والدليل خاص، لو قال قائل: المعروف عند أهل العلم أنه لا يُستدل بالأخص على الأعم؛ يعني بمعنى أنه ما يمكن يكون الحكم أعم من الدليل، ولكن استدلوا بالأعم على الأخص؛ بالحديث العام على حُكْم خاص.
يقال: الشيخ رحمه الله أراد بذلك أن العِلَّة هي تعظيم هذا المكان لكونه قبرًا، وهذا كما يوجد في الصلاة يوجد أيضًا في غيرها من العبادات. نقرأ المسائل.
(فيه مسائل؛ المسألة الأولى: ما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن بنى مسجدًا يعبد الله تعالى عند قبر رجل صالح ولو صحت نية الفاعل).
طالب: عندنا (يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح).
الشيخ: عندكم (فيه)؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: (ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن بنى مسجدًا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح ولو صحَّت نية الفاعل) من أين نأخذه؟
طالب: (...).
الشيخ: مِنْ لعن الرسول عليه الصلاة والسلام الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
وقوله: (ولو صحت نية الفاعل)، يعني لو كان يعبد الله ولو كان يريد التقرب إلى الله ببناء هذا المسجد اعتبارًا بأي شيء؟
طالب: بما تؤول إليه.
الشيخ: بما يؤول إليه الأمر، وبالنتيجة السيئة التي تترتب على ذلك، وهذه النقطة نتدرج فيها إلى نقطة أخرى، وهي التحذير من مشابهة المشركين وإن لم يقصد الإنسان المشابَهة، وهذه قد تخفى على بعض الناس؛ حيث يظن أن التشبه إنما يحرم إذا قُصِد التشبه، والشرع إنما علَّق الحكم بأيش؟ بالتشبه؛ يعني بأن يفعل ما يُشبه فعلهم سواء قصد أو ما قصد؛ ولهذا قال العلماء في مسألة التشبه: وإن لم ينوِ ذلك.
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
طالب: (...) التشبه (...).
الشيخ: لا؛ لأن السبب الظاهر يمنع التشبه، فيُحال على سبب موجود، لكن لو قال لنا قائل: إنه بيلبس هذا اللباس ولا يقصد التشبه وهو من لباس الكفار؟
قلنا له: هذا ما يجوز، لكن لو أنه عمل عملًا يقتضي أن يلبس هذا اللباس لهذا العمل البين، فهذا يجوز التشبُّه.
طالب: قاعدة: إنما الأعمال بالنيات لا تعارض (...)؟
الشيخ: لا، ما تعارض (...)؛ لأن ما عُلِّق بالعمل ثبت له حكمه وإن لم ينوِ الفاعل مثل الأشياء المحرمة كالظهار مثلًا والزنى والأشياء وما أشبهها، هذه ما تحتاج إلى نية يعني معلقة لمجرد الفعل، النية تؤثر في الأعمال الصالحة (...)، وتؤثر أيضًا في الأعمال التي لا يقدر عليها فيُعطى أجرها وما أشبه ذلك، أما الشيء اللي عُلِّق الحكم به على مجرد صورته فلا حاجة إلى نية.
طالب: يعني العبرة بالصورة؟
الشيخ: بالصورة إي نعم.
(الثانية: النهي عن التماثيل وغلظ الأمر في ذلك) من أين نأخذه.
طالب: (وصوروا فيه تلك الصور).
الشيخ: قوله: (وصوروا فيه تلك الصور)، ولا سيما إذا كانت هذه الصور معظمة عادة أو شرعًا، معظمة عادة مثل الرؤساء والزعماء، أو شرْعًا مثل الأولياء والصالحين والأنبياء، وما أشبه ذلك فإن خطر هذا عظيم.
وكذلك مما يُعَظَّم عادة الأب، والأخ، والعم كما يفعله بعض الجهلة يُعلِّقون صور آبائهم وأعمامهم وإخوانهم في أماكنهم، فكل هذه من الأمور التي يجب الحذر منها.
(الثالثة: العِبرة بمبالغته صلى الله عليه وسلم في ذلك كيف بَيَّن لهم هذا أولًا، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتفِ بما تقدم).
اللهم صلِّ وسَلِّم عليه، هذا مما يدل على حرص النبي عليه الصلاة والسلام على حماية جانب التوحيد؛ لأن التوحيد من أعظم الأمور؛ يعني المعاصي ولو كبرت أهون من الشرك حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا ، لماذا؟
لأن الحلف بغيره نوع من الشِّرْك، والحلف بالله كاذبًا معصية، إما عاد من الكبائر أو من الصغائر، المهم أنها أهون من الشِّرك، فالشرك أمره عظيم جدًّا، ونحن والحقيقة نحذر إخواننا المسلمين مما هم عليه الآن من الانكباب العظيم على الدنيا حتى غفلوا عما خُلقوا له، واشتغلوا بما خُلِق لهم عما خُلقوا له، الآن عامة الناس ويش تجدهم يشتغلون بأي شيء؟
طالب: بالدنيا.
الشيخ: بالدينا، ما الذي بأفكارهم؟ الدنيا قائمين وقاعدين ونائمين ومستيقظين، وهذا في الحقيقة نوع من الشِّرْك؛ لأنه يُوجِب الغفلة العظيمة عن الله عز وجل؛ ولهذا سمى النبي عليه الصلاة والسلام هؤلاء، سماهم عبيدًا لما تعبدوا له فقال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ» إلى آخره.
ولو أن الإنسان -وأقول لنفسي أولًا ولكم ولغيركم ثانيًا- أقبل على الله حقيقة الإقبال حصل له ما قُدِّر له من الدنيا ما يفوته أبدًا.
المهم أن الإنسان يُقبل على الله بقلبه وجوارحه حتى يكون أكبر همه الوصول إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى رضاه، وإلى جنته؛ لأنه خُلِق لذلك، أما أمر الدنيا فهي وسيلة وليست غاية، وتَعِس مَنْ جعلها غاية في الواقع، كيف تجعلها غاية وأنت لا تدري مقامك فيها؟! وكيف تجعلها غاية وهي سرورها مصحوب بالأحزان، وكما قال الشاعر:

فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ

لو أنك تأملت حالك في الدنيا لوجدت أن هذا هو الواقع، إلا مَنْ مات قلبه يمكن كتلك البهيمة دائمًا مشغول ولا همه إلا الأكل والشرب والشهوة وغير ذلك، ولا يهتم بشيء.
فالحاصل أننا نقول: إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه بُعِث لتحقيق عبادة الله؛ ولهذا كان حريصًا على سد كل الأبواب التي تؤدي إلى الشرك، ولا تهاون في ذلك، لا تقولوا: نحن (...) إي نعم يعني احرص عليه (...)، ثم يسكنه إلا في البيت، إما يسكن هنا أو في بيته.
طالب: (...).
الشيخ: (...) الإنسان (...).
أقول: إنه يجب على الإنسان أن يعتني بهذا الأمر؛ موضوع الشرك مهم ودقيق وخطير، قال الرسول صلى الله عليه وسلم، ذَكَرَ هذا ثلاث مرات؛ أولًا: في سائر حياته، وثانيًا: قبل أن يموت بخمس، وثالثًا: وهو في السياق عليه الصلاة والسلام.
(الرابعة: نهيه صلى الله عليه وسلم عن فِعْله عند قبره قبل أن يُوجد القبر) من أين يؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: على: (فلا تتخذوا القبور مساجد)؛ فإن قبره داخل في ذلك بلا شك، فهو نهي عن اتخاذ القبور مساجد، وأول ما يدخل فيه قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
(الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم). بأي طريق علمنا ذلك؟
طالب: بقول الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . وبئس رجلًا جعل إمامه اليهود والنصارى.
(السادسة: لعنه إياهم على ذلك)؛ لقوله: «لَعْنَةُ اللَّهِ»، وقد سبق أننا ذكرنا في معناها احتمالين؛ هما، «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى». ذكرنا احتمالين لقوله: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» ما هما؟
طالب: (...).
الشيخ: إي؟
طالب: (...).
الشيخ: الطرد والإبعاد عن رحمة الله لكن هذه الجملة (...).
طالب: قلنا: (...) إنشاء أو خبر.
الشيخ: نعم، يحتمل أنه إنشاء أو خبر؛ يعني يحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعنهم؛ أي: دعا عليهم باللعنة، ويحتمل أنه أخبر بأنهم ملعونون، وعلى كلا الاحتمالين فهو دليل على أنهم ملعونون إما باستحقاقهم بدعائه عليهم، أو بالواقع الذي أخبر عنه الرسول عليه الصلاة والسلام.
(السابعة: أن مراده تحذيره إيانا عن قبره)؛ لقول عائشة رضي الله عنها: يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا . أي: ما صنعه اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
(الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره)؛ لقولها: ولولا ذلك أُبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا .
وقد سبق لنا أن هناك علة أخرى وهي أنه أخبر: «أَنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمُوتُ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ يَمُوتُ» . فهذه علة أخرى، وقلنا: إنه لا يمنع أن يكون للحكم علتان، كما لا يمتنع أن يكون للعِلَّة حكمان.
(التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدًا).
ذكرنا أن لها كم؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، المعنى العام ليس من هذا.
طالب: معنيان.
الشيخ: معنيان؛ المعنى الأول: بناء المساجد عليها، والمعنى الثاني: اتخاذها مكانًا للصلاة، تقصد ويصلى عندها، بل إن مَنْ صلَّى عندها وإن لم يتخذها مكانًا للصلاة يعني ولو مرة واحدة فقد اتخذها مسجدًا بالمعنى أيش؟
طلبة: العام.
الشيخ: بالمعنى العام، يعني لو صليت بدون أن تتخذها سائرًا لها في كل وقت فقد اتخذتها مسجدًا بالمعنى العام مسجدًا.
طالب: (...).
الشيخ: التاسعة بمعنى اتخاذها مسجدًا.
(العاشرة: أنه قَرَنَ بين من اتخذها مسجدًا وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذريعة إلى الشِّرْك قبل وقوعه)، ويش بعد؟
طلبة: (مع خاتمته).
الشيخ: (مع خاتمته)، ويش معنى الكلام هذا؟ معناه أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر التحذير من الشرك قبل أن يقع، وذكر أيضًا أنه ذكر خاتمته ويش هي خاتمته؟
طالب: (...).
الشيخ: أنه من تقوم عليهم الساعة هم (...)، والذين تقوم عليهم الساعة وهم أحياء هؤلاء الكفار والذين (...) هؤلاء فعلوا أسباب الشرك والكفر.
(ذِكْرُه في خطبته قبل موته بخمس الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع بل أخرجهم بعض أهل العِلم من الثنتين والسبعين فرقة وهما الرافضة والجهمية، وبسبب الرافضة حدث الشِّرْك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد).
المؤلف يقول رحمه الله: (ذِكْره في خطبته قبل موته بخمس)، من يعني ذِكْر؟ الرسول صلى الله عليه وسلم، ذَكَر قبل أن يموت بخمس؛ يعني بخمس ليالٍ، وسبق لنا أن العرب يعبرون بالليالي عن الأيام وبالأيام عن الليالي.
(الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البِدَع)، يقال: أشر، ويقال: شر، كما يقال: خير، ويقال: أخير، لكن الأكثر (شر) بحذف الهمزة؛ وذلك لكثرة استعمالها.
قال: (بل أخرجهم بعضُ أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة)، من هما؟ (الرافضة والجهمية).
وإنما تكلم المؤلف عن بيان حالهما وحكمهما قبل ذِكْر اسمهما من أجل تهييج النفس على الاطلاع إليهما؛ لأن الإنسان إذا ذَكَر الحكم والوصف قبل ذِكْر الموصوف والمحكوم عليه تجد النفس تتطلع وتتشوق إلى هذا.
لو قال مثلًا من أول الكلام: الرد على الرافضة والجهمية ما يكون للإنسان التشوق مثلما إذا تكلم عن حالهما وحكمهما، حالهما أنهما أشر أهل البِدَع، وحكمهما أن بعض أهل العِلْم أخرجهم من الإسلام من الثنتين والسبعين فرقة.
لما جاء هذا الوصف ببيان الحال، وهذا الحكم قبل ذِكْر الطائفتين صارت النفوس مشتاقة إلى بيان من هما الطائفتان، نعم، فبيَّن أنهما الجهمية والرافضة.
طالب: قوله: اثنتين وسبعين فرقة (...) أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: (...) هما الرافضة والجهمية؛ أولًا: الرافضة مَنْ هم؟ الرافضة اسم فاعل من رفض الشيء إذا تركه واستبعده، وسموا بذلك؛ لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رفضوه حينما سألوه، قالوا: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى على أبي بكر وعمر، وقال: هما وزيرا جدي. جده من؟ الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما قال هذا رفضوه وتركوه، وكانوا بالأول معه، لكن لما رأوا الحق نفروا منه، والعياذ بالله، وسموا رافضة.
وأصل مذهبهم الخبيث من عبد الله بن سبأ، وهو رجل يهودي، تلبس بالإسلام؛ ليفسد دين الإسلام، مثلما تلبس بولس بدين النصرانية؛ ليفسد دين النصارى، هذا الرجل تلبس بالإسلام ليفسد دين الإسلام، وأول ما أظهر بدعته الغلو في علي بن أبي طالب، حتى أنه جاءه وقال له: أنت الله حقًّا. أعوذ بالله! قال هكذا لعلي بن أبي طالب أحد الخلفاء الأربعة الراشدين، فلما قال هذا الكلام أمر رضي الله عنه بالأخدود فحفرت في الأرض، وأمر بالحطب فجمع، وبالنار فأوقدت، وأحرقهم بالنار، إلا أن عبد الله بن سبأ يقال: هرب، وذهب إلى مصر، ونشر بِدَعه، الله أعلم.
المهم أنه رضي الله عنه رأى أمرًا لم يحتمله أبدًا؛ حيث ادعَوْا به الْإِلَهِية، فأحرقهم بالنار إحراقًا، ثم بدأت هذه الفرقة الخبيثة تتكاثر وتنافق؛ لأنها في الحقيقة شعارها النفاق؛ ولهذا هي من أخطر ما يكون على الإسلام؛ لأنها تتظاهر بالإسلام والدعوة إليه، وتقيم الشعائر الظاهرة في الإسلام؛ كتحريم الخمور وما أشبه ذلك، لكنها في الباطن على نقيض الإسلام، فالذين يرون أن أئمتهم آلهة تُدَبِّر الكون، وأنها أفضل من الأولياء والأنبياء والملائكة، وأنهم في مرتبة لا ينالها ملك مُقَرَّب ولا نبي مرسل، هؤلاء كيف يصح أن نقبل منهم دعوى الإسلام؟
فلذلك يقول شيخ الإسلام عنهم في كثير من كتبه قولًا إذا اطلع عليه الإنسان عرف حالهم، يقول: إنهم من أشد الناس ضررًا على الإسلام، وأنهم هجروا المساجد وعمروا المشاهِد؛ لأنهم لا يقولون بصلاة الجماعة، يقولون: ما نُصلي جماعة إلا خلف إمام معصوم، ولا إمام معصوم الآن، وعمروا المشاهِد؛ لأنهم أول من بنى المشاهد على القبور كما قال الشيخ رحمه الله هنا، فهم -والعياذ بالله- من أشد الناس ضررًا على المسلمين، ويكفيك من هذا أنهم ادعوا الألوهية في المخلوقين، وأنهم رموا أفضل أتباع الرسل على الإطلاق بالنفاق والعياذ بالله، قالوا: إن أبا بكر وعمر ماتا على النفاق، وأنهما مثل عبد الله بن أُبي وأشباهه، والعياذ بالله، قاتلهم الله، هؤلاء كيف نقول: إنهم من المسلمين؟!
أما الجهمية فإنهم أتباع الجهم بن صفوان، الجهم بن صفوان هذا رجل ادعى أول بدعته أنه أنكر صفات الله، وقال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يُكَلِّم موسى تكليمًا، فأنكر المحبة وأنكر الكلام، ثم بدأت هذه البدعة تنتشر وتتسع، واعتنقها طوائف غير الجهمية؛ اعتنقها المعتزلة، واعتنقها متأخرو الرافضة؛ لأن الرافضة كانوا بالأول مُشبِّهة؛ ولهذا قال أهل العلم: أول من عُرف بالتشبيه هشام بن الحكم الرافضي، ثم تحولوا من التشبيه إلى التعطيل، وصاروا يُنكرون الصفات، فالجهمية هم أول من ابتدع هذه البدعة الخبيثة وهي إنكار الصفات، هذا الرجل الجهم بن صفوان يقال: إنه أَخَذَ بدعته عن أبان بن سمعان، وأن أبان أخذها عن طالوت، وأن طالوت أخذها عن لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي عليه الصلاة والسلام، فتكون البِدْعة هذه أصلًا مِن أين؟ من اليهود تعطيل الصفات.
ثم إنه قيل: إن الجهم بن صفوان نشأ في بلاد حران، وفيها كثير من الصابئة وعُبَّاد الكواكب والفلاسفة، فأخذ منهم أيضًا بِدْعته فصارت هذه مركبة من اليهودية والصابئة والمشركين، هذه البدعة الخبيثة، وانتشرت في الأمة الإسلامية، هؤلاء الجهمية مُعَطلة في الصفات، يُنكِرون الصفات.
وصار منهم طائفة ينكرون الأسماء بالإضافة إلى إنكار الصفات، يقولون: ليس لله أسماء، وليس لله صفات، وهذه الأسماء التي يضيفها الله عز وجل إلى نفسه، هذه إضافات وليست حقيقة، أو أنها أسماء لبعض مخلوقاته؛ فالسميع بمعنى الذي وضع السَّمْع في غيره، والبصير كذلك وهلم جرًّا.
ومنهم من أنكر أن يكون الله متصفًا بالإثبات أو بالعدم؛ يعني ما يجوز نثبت لله صفة ولا ننفي عنه صفة حتى قالوا: لا يجوز أن نقول: إنه موجود، ولا إنه معدوم، لا نصفه بالوجود ولا بالعدم؛ لأننا إن قلنا: موجود شبَّهْناه بالموجودات، وإن قلنا: معدوم شبهناه بالمعدومات، فنقول: لا موجود ولا معدوم.
فهنا كذبوا المنقول وكابروا المعقول، هل يُعْقَل أن شيئًا لا يكون موجودًا ولا معدومًا؟! لأن تقابل الوجود والعدم من تقابل النقيضين اللذين لا يمكن ارتفاعهما ولا اجتماعهما، بل لا بد أن يوجد أحدهما.
هؤلاء الجهمية مذهبهم في الصفات التعطيل المحض، مذهبهم في القضاء والقدر الجبر، يقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله، مذهبهم في أسماء الإيمان والدين الإرجاء، يقولون: إن الإيمان مجرد اعتراف الإنسان بالخالق. على الوصف الذي يقولون عاد، خالق مسلوب عنه الصفات، وأن الأقوال والأعمال لا دخل لها في الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
من هذه الأمور الثلاثة قالوا: إن أفسق عباد الله وأعدل عباد الله في الإيمان سواء، بل قالوا: إن فرعون مؤمن كامل الإيمان، وجبريل مؤمن كامل الإيمان، لكن فرعون كفر؛ لأنه ادَّعَى الربوبية لنفسه فقط، فصار بذلك كافرًا، هكذا يقولون.
وقال عنهم ابن القيم:
وَالنَّاسُ فِي الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ

ابن القيم قال لهم: إذا كان الإيمان عندكم هو الاعتراف بالخالق فعندكم أن الشيطان مؤمن، وإذا كان مؤمنًا فهو كامل الإيمان؛ لأنهم هم يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا شك أن هذا مذهب باطل لا يقوم على قَدَمٍ من الحق.
أما الجبر فيقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله، يعمل العمل بدون اختيار، إن صلَّى فهو مُجْبَر، وإن زنى فهو مُجْبَر، وإن قتل فهو مُجْبَر، وإن أعان من يستحق العون فهو مُجبر، فعطلوا بذلك حكمة الله عز وجل؛ لأنه إذا كان كل مجبَر على عمله فهل هناك حكمة في الثواب والعقاب؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما هناك حكمة، بمجرد المشيئة يُعاقِب هذا ويُثِيب هذا، وإذا قالوا بذلك أيضًا عطلوا أوصاف المدح والذم، صار ما يمكن نمدح إنسانًا ولا نذم إنسانًا؛ لأن العاصي مُجبَر والمطيع مجبر، فلا نقول للمطيع: مشكور، وجزاك الله خيرًا، وأنت رجل طيب، ولا نقول للعاصي: أنت ملوم، وأنت رجل ما أنت طيب، ما نقول؛ لأن الكل مُجْبَر.
قالوا لهم: إذا قلتم هكذا أثبتم أن الله أظلم الظالمين، أعوذ بالله؛ لأنه كيف أنه يُعاقِب العاصي وهو مُجْبَر على معصيته؟ (...) ويثيب الطائع وهو مُجبر على طاعته ما يقدر يتخلص؟ هذا ظلم، أعطى من لا يستحق ومَنَعَ من يستحق، هذا ظلم، قالوا: لا، الظلم تصرف المالك في غير ملكه، أما هذا يتصرف في ملكه، الكل ملكه (...). وهذا لا شك أنه باطل؛ لأن المالك إذا كان متصفًا بصفات الكمال انتفى عنه باتصافه بصفات الكمال جميع أنواع الظلم؛ ولهذا قال الله عن نفسه: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢].
فمذهب الجهمية من أخبث المذاهب بل إن لم نقل: أخبث المذاهب، ولكن أخبث منه مذهب الرافضة حتى قال شيخ الإسلام: إن جميع البِدَع أصلها الرفض، أصل البدع كلها من الرافضة، فهم أصل البَلِيَّة في الإسلام؛ ولهذا يقول: أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين، ولعل الصواب: من الثلاث والسبعين فرقة أو: أن الصواب أخرجهم إلى الثنتين والسبعين؛ يعني أخرجهم من الثالثة؛ لأن المعروف أن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.
إذن يقول المؤلف رحمه الله: إنَّ هاتين الطائفتين من أهل البدع هم شر طوائف أهل البدع. شر الطوائف وصدق رحمه الله، لو تأملت ما وجدت إلا البلاء خرج منهم، الجهم بن صفوان، مَنِ الذي قتله؟ خالد بن عبد الله القسري رحمه الله.
طالب: الجعد بن درهم.
الشيخ: لا، الجعد بن درهم، الجهم قتله سلمة بن أحوز صاحب شرطة نصر بن سيار، قتله؛ لأنه أظهر هذا المذهب ونشره، وأنا قلت قبل قليل: إن الجهم أخذه عن أبان بن سمعان، والصواب: الجعد الذي أخذه، أنا ذهب وهمي إلى الجعد، الجعد هو شيخ الجهم؛ لأن الجهم أخذه عن الجعد، والجعد هو الذي نفى صفتين؛ المحبة، والتكليم، ثم الجهم وَسَّعَ المذهب وانتشر المذهب من قبله إلى هذا نُسبت الطائفة هذه إليه، أفهمتم؟
طالب: ما أخذها عن عبد الله ابن سلول.
الشيخ: عبد الله بن سبأ؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يمكن أخذ عنه لكن المعروف أنه أخذه عن أبان بن سمعان، عن طالوت، عن لبيد بن الأعصم.
طالب: الذي قال: إن الله ما كَلَّم موسى، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا هو الجعد؟
الشيخ: الجعد بن درهم.
طالب: ولَّا؟
الشيخ: لا، الجعد بن درهم، إي نعم.
يقول: (وبسبب الرافضة حدث الشِّرْك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد)، بسببهم حدث الشِّرْك، وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد؛ ولهذا يجب الحذَر من بدعتهم، وكذلك من بِدْعة الجهمية ومن غيرها من البِدَع، لكن البِدَع لا شك أنها درجات بل دركات، بعضها أسفل من بعض، وعلى المرء أن يحترز من جميع أنواع البِدَع، وأن يكون دائمًا متبعًا لطريقة السلف الصالح رضي الله عنهم في هذا الباب وفي غيره.
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
طالب: (...) عن الجهمية؟
الشيخ: إي نعم، لأنه قال: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»، فهم لا يقولون بذلك، وكذلك أيضًا من جهة البناء على القبر، والرافضة هم الذي بنوا على القبور. الثانية عشرة.
طالب: أليس القول بأن شرار الخلق من تقوم عليهم الساعة وهم أحياء لا يعرفون المعروف (...) تقوم عليهم الساعة يقولون (...).
الشيخ: لا، ما يكون وجه؛ لأنه يشمل حتى هؤلاء الجهمية حتى من لا ينتسب إلى هذا الجهم ممن ينكر وجود الله سبحانه وتعالى فهو أعمى.
(الثانية عشرة: ما بُلِي به صلى الله عليه وسلم من شدة النَّزْع). يعني من أين نأخذه؟
طالب: (...).
الشيخ: «طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا» ، فهذا دليل على أنه لَحِقه من النزع شدة، وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يمرض ويوعك كما يوعك الرجلان من الناس ، وذلك من حِكمة الله عز وجل، فهو عليه الصلاة والسلام شُدِّد عليه البلاء في مقابلة دعوته، وأُوذِي إيذاءً عظيمًا، وكذلك أيضًا فيما يصيبه من الأمراض يُضاعَف عليه، والحكمة من ذلك لأجل أن ينال أعلى درجات الصبر عليه الصلاة والسلام، فإنه كلما ابتُلي الإنسان بالشيء وصبر كان ذلك أرفع لدرجته، والصبر كما تعلمون درجة عالية لا تُنال هذه الدرجة إلا بوجود أسبابها، الإنسان المعافَى، من أين له الصبر؟ ويش يصبر عليه؟ لا بد من ابتلاء يبتلي الله العبد به حتى ينال بذلك درجة الصابرين، يصبر ويحتسب فينال بذلك درجة الصابرين.
(الثالثة عشرة: ما أُكرم به من الخُلَّة).
ما أكرم به النبي عليه الصلاة والسلام من الخُلَّة، الدليل قوله: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» . فهذه لا شك أنها كرامة عظيمة؛ لأننا لا نعلم أن أحدًا نال هذه المرتبة إلا.
طالب: إبراهيم.
الشيخ: رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبراهيم، وبهذا كما نبهتكم قبل يتبين لنا خطأ من يقولون: إبراهيم الخليل، ومحمد الحبيب، فإن هذا تنقُّص في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس هذا من باب التكريم بل من باب التنقيص؛ لأن الخُلَّة أعلى من المحبة، فإذا قال: محمد حبيب وإبراهيم خليل، جعلوا مرتبة إبراهيم أعلى من مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر لا يتفطن له هؤلاء الجهلة.
والخُلَّة بالضم ولَّا بالكسر؟
طالب: بالضم.
الشيخ: بالضم، قال الله تعالى: لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ [البقرة: ٢٥٤].
(الرابعة عشرة).
طالب: (...).
الشيخ: لا، بهذا المعنى ما ورد لكن (...) يمكن تأتي (...).
(الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة)، التصريح.
طالب: عندنا التصريح أن الصديق أفضل الصحابة.
الشيخ: قبله الرابعة عشرة.
طالب: هذه هي الرابعة عشرة.
الشيخ: طيب يمكن يكون في الترتيب مختلف ما يقول اللي بعدها.
طالب: الخامسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.
الشيخ: نعم (التصريح بأنها أعلى من المحبة)، من أين يؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) يوجد تصريح.
طالب: لأنه نفى أن يتخذ خليلًا إلا الله سبحانه وتعالى أنه لما اتخذ الله خليلًا فلن يتخذ غيره.
الشيخ: لا نبغي أوضح من هذا، إي تؤخذ من هذه الجملة لكن نبغي توضيح الاستدلال بها؛ لأنه ثبت أنه يحب أبا بكر، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ثبت أنه يحبه، وأنه أحب الرجال إليه، فأثبت له المحبة، ونفى عنه الخُلَّة، فدل هذا على أنها أعلى من المحبة، والتصريح ليس من هذا الحديث فقط، لكن من هذا الحديث بضمه إلى غيره، فإنه إذا ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم صرح بأن أبا بكر حبيب إليه، وأنه أحب الرجال إليه، ثم قال هنا: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ» ، دل على أن الْخُلَّة أعلى من المحبة.
(الخامسة عشرة: التصريح بأن الصِّدِّيق أفضل الصحابة).
فيه تصريح؟
طالب: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا».
الشيخ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا»، لو كان غيره أرفع منه لكان أحق بذلك، لو كان غير أبي بكر أرفع منه قدرًا عند الرسول عليه الصلاة والسلام لكان أحق بذلك.
ومن المسائل الهامة في هذا: أن الأفضلية بالإيمان والعمل الصالح فوق الأفضلية بالنسب؛ لأننا لو راعينا النسب في ذلك لكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه وحمزة بن عبد المطلب أحق من أبي بكر، ولكن الإيمان والعمل الصالح فوق هذا كله، ومن ثَم قُدِّم أبو بكر رضي الله عنه على علي بن أبي طالب وغيره من آل النبي صلى الله عليه وسلم.
(السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته).
ما قال: هناك تفصيل. قال: الإشارة إلى خلافته (...).
باب: ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله
00:49:10

(من الأحاديث والآثار في أن الغلو في قبور الصالحين) الغلو بمعنى مجاوزة الحد في قبورهم؛ لأن القبور لها حق علينا من وجهين؛ الوجه الأول: ألا نُفَرِّط فيما يجب لها بالإهانة والجلوس عليها وما أشبه ذلك، والوجه الثاني: ألا نغلو فيها حتى نجاوز الحد.
ففي صحيح مسلم أن علي بن أبي طالب قال لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثُك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا تَدَعَ صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مُشْرِفًا إلا سويته.
القبر الْمُشرِف الذي يتبين عن سائر القبور لا بد يُسوَّى بالقبور، لماذا؟ لئلا يُظن أن هناك خصيصة لصاحب هذا القبر، ولو فيما يأتي من الزمن البعيد، فيكون ذلك وسيلة إلى الغلو فيه.
وقوله: (يصيرها أوثانًا)، الأوثان جمع (وَثَن)، والوَثَن ما نُصِب للعبادة، كل ما نُصب للعبادة فإنه وَثَن، ويقال له أيضًا: صنم، ولكن ظاهر كلام المؤلف أن كل ما يُعبد يُسمَّى وثنًا، وإن لم يكن على تمثال نُصُب؛ لأن القبور قد لا يكون لها تمثال ينصب على القبر فيُعبد.
(روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ).
مالك هو ابن أنس الإمام المشهور أحد الأئمة الأربعة، وكتابه الموطأ أيضًا مشهور، وهو من أصح الكتب؛ لأنه رحمه الله تحرى فيه صحة السند، ولقربه أيضًا وعلو سنده؛ هو يعتبر عالي السند؛ لأنه من شيوخ البخاري فهو أرفع منه وأقرب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكون سنده عاليًا، وكلما كان السند أعلى كان إلى الصحة أقرب، وهو مشهور، وفيه مع الأحاديث المرفوعة آثار عن الصحابة، وفيه أيضًا كلام وبَحْث ومناقشة للإمام مالك نفسه رحمه الله.
وقد شرحه كثير من أهل العلم، ومن أوسع شروحه وأحسنها لا من حيث الرواية ولا من حيث الدراية التمهيد لابن عبد البر، وهو الآن والحمد لله تيسَّر طبعه، وفيه علم كثير على الكتاب أعني التمهيد.
(أن رسول الله قال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»).
طالب: يقول في الشرح: إنه مُرسَل.
الشيخ: إي نعم، هذا مرسل عن عطاء بن يسار، عن النبي عليه الصلاة والسلام، وظاهر كلام المؤلف أنه متصل.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما هو من طريق مالك.
طالب: (...).
الشيخ: (...).
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه متصل؛ لأنه إذا قيل: رواه البخاري في صحيحه، أو رواه مالك في الموطأ أو ما أشبه ذلك فإنه لا يُعرَف مثل هذا التعبير إلا إذا كان الحديث متصلًا من طريق هذا الراوي، ولعل في النسخة سقطًا ما بيَّنَه الكاتب.
قال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا»، اللَّهُمَّ أصلها (يا الله)، فحذفت يا النداء لماذا؟
طالب: (...).
الشيخ: طيب لماذا؟
طالب: لأجل البداءة باسم الله.
الشيخ: البداءة باسم الله، صح، وعُوِّض عنها الميم.
طالب: كأنها (...).
الشيخ: نعم، فكأن الداعي جمع قلبه على الله، وكانت في الآخر من أجل ما ذكر محمد لأجل البداءة باسم الله.
وقوله «لَا تَجْعَلْ»، لا ناهية، ولكن ليس المراد هنا النهي؛ لأن النهي لا يصدر من المخلوق للخالق، لكن المراد به الدعاء، «لَا تَجْعَلْ» لا تُصَيِّر، و«قَبْرِي» مفعولها الأول، و«وَثَنًا» مفعولها الثاني، و«يُعْبَدُ» صفة لـ(وَثَن)، وهي صفة كاشفة؛ لأن الوثن هو الذي يُعْبَد من دون الله.
«لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»، وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لأن ممن قبلنا من جعلوا قبور أنبيائهم مساجد، وعبدوا صالِحين، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه ألا يجعل قبرَهُ وثنًا يُعْبَد؛ لأنه عليه الصلاة والسلام دعوته كلها بالتوحيد ومحاربة الشِّرْك.
ثم قال: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، «اشْتَدَّ» بمعنى عظم، و«غَضَبُ اللَّهِ» ما المراد به؟
قال أهل التأويل: المراد بغضبه الانتقام ممن عصاه، وبعضهم يقول: المراد به إرادة الانتقام ممن عصاه. وهذا تأويل بل هو في الحقيقة تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما قال: انتقمَ الله، قال: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ»، والرسول عليه الصلاة والسلام يعرف كيف يُعَبِّر، ويعرف الفرق بين غضب وبين انتقام، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وهو عليه الصلاة والسلام أنصح الخلق وأعلم الخلق بربه، ما يمكن يأتي بكلام وهو يريد خلافه، لو أتى بكلام وهو يريد خلافه لكان ناصحًا ولَّا مُلبِّسًا؟
طلبة: مُلَبِّسًا.
الشيخ: لكان ملبسًا وحاشاه أن يكون كذلك.
فالغضب غير الانتقام وغير إرادة الانتقام، الغضب صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل تليق بجلاله، لا تُشبه غضب المخلوق، لا في الحقيقة ولا في الأثر، غضب المخلوق حقيقته غليان الدم، أو غليان دم القلب، جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى يثور.
أما غضب الخالق فإنه صفة لا تشبه هذا؛ لأن الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].
فغضَب الآدمي يؤثر آثارًا غير محمودة دائمًا الذي يغضب دائمًا يمكن يقتل نفسه، يطلق زوجته يكسر فناجيله إلى آخره، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: إي نعم، لكن غضب الله عز وجل لا يمكن أن يترتب عليه مثل هذا؛ لأنه حكيم جل وعلا، ما يمكن أن يترتب على غضبه إلا تمام الفعل المناسب الواقِع في محله، فصار غضب الله تعالى ليس كغضب المخلوقين، لا في حقيقته، ولا في آثاره. واضح يا جماعة؟
إذا قلنا بأن لله غضبًا لا يُشبه غضب المخلوقين لا في حقيقته ولا في آثاره هل نحن وصفنا الله بما يشبه صفات المخلوقين؟
طالب: لا.
الشيخ: أبدًا، بل وصفنا الله بصفة تدل على القوة؛ لأن الغضب يدل على قدرة الغاضب على الانتقام؛ ولهذا إذا ضربك أبوك تغضب عليه؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما تغضب عليه، تزعل منه صحيح، لكن ما تغضب عليه، لكن لو أن ولدك يسيء تغضب عليه ولَّا لا؟ تغضب عليه؛ لأنك تحس بأنك قادر على الانتقام منه، لكن أبوك ما تقدر.
فالغضب يدل على قوة وقدرة في الغاضب يستطيع أن يُنَفِّذ ما أراده فهو صفة كمال، وليس صفة نقص، وإن كان قد يترتب عليه نقْص بالنسبة للمخلوق أما بالنسبة للخالق فلا يترتب عليه نقص أبدًا.
ويدلك على بطلان تأويل الغضب بالانتقام قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥]، فَلَمَّا آسَفُونَاويش معنى آسَفُونَا؟
طلبة: أغضبونا.
الشيخ: أغضبونا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ، فجعل الانتقام هو الغضب ولَّا غيره؟
طالب: غيره.
الشيخ: غير الغضب أثرًا منه من الغضب، فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَافدل هذا على بطلان تفسير الغضب بالانتقام وهو أمر قد بيناه لكم في شرحنا على العقيدة السفارينية وقلنا: إن كل من حرَّف نصوص الصفات عن حقيقتها، وعما أراد الله بها ورسوله فإنه لا بد أن يقع في ذلة وفي مهلكة، وأن الواجب علينا أن نُسَلِّم بما جاء به الكتاب والسنة من صفات الله سبحانه وتعالى.
وقوله: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . أي: جعلوه مساجد لكونهم؟
طالب: (...).
الشيخ: وذكرنا فيما سبق أن اتخاذ القبور مساجد له وجهان؟
طالب: إما يصلي عندها.
الشيخ: إما بالصلاة عندها.
طالب: أو: باتخاذها مساجد.
الشيخ: أو: ببناء المساجد عليها.
فالصلاة عند القبور من اتخاذها مساجد كما أن بناء المساجد عليها من اتخاذها مساجد قال: («اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ولابن جرير بسنده عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم: ١٩])، سؤالنا الآن: هل أجاب الله دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن قبره وثنًا يُعبد؟ (...)
على هذه اللغة يصح أن محمدًا رسول الله؛ لأننا نحن لا نشك أن العوام الذين يقولون: أشهد أن محمدًا (رسولَ) الله؛ لا نشك أنهم يريدون الخبر، ما فيه إشكال بس أخطؤوا في النطق، فما داموا يريدون الخبر وفي لغة نقول: هي إن شاء الله صحيحة، مثل: (الله واكبر) فيه ناس يقولون: (الله واكبر) أو لا؟ ما رأيكم في هذا؟
طالب: كذلك يا شيخ.
الشيخ: هذا لا بأس به؛ لأن اللغة تُجَوِّز إبدال الهمزة إذا ضُمَّ ما قبلها واوًا، وهنا مضموم ما قبلها (الله واكبر)، وهذا أيضًا من المسائل اللي الحمد لله يعني ريحتنا ولَّا بالأول الإنسان تعبان من بعض المؤذنين، يأتي هذا، ويأتي هذا.
أجيبوا عن السؤال، هل أجاب الله سبحانه وتعالى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجعل قبره وثنًا يُعبد، أم أن حكمته اقتضت عدم الإجابة؟ لأنه ليس كل ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام يستجاب، قد تكون حكمة الله سبحانه وتعالى تأبى ذلك، ما رأيكم؟
طالب: أجاب دعوته.
الشيخ: إي، ابن القيم يقول: إن الله أجاب دعوته فلم يُؤْثَر أن الرسول عليه الصلاة والسلام جُعِل قبره وثنًا أبدًا، بل إنه صلى الله عليه وسلم حُمِيَ قبره بثلاثة جُدران، هذه الثلاثة جُدران محمية غاية الحماية، ما أحد يصل إليه حتى يجعله وثنًا يُعبد من دون الله، ولم نسمع -والحمد لله- بالتاريخ أنه جُعِل وثنًا، صحيح أن فيه ناس الآن يغلون فيه لكن ما وصلوا إلى أن يجعلوه وثنًا، وإنما قد يعبدون الرسول ولو في محل بعيد.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، يتوجَّه، يدعو الله.
طالب: (...).
الشيخ: (...) الرسول.
طالب: ويبكون.
الشيخ: عجيب.
طالب: ويطوفون.
الشيخ: إي، الطواف ليس معناه أنهم جعلوه وثنًا يُعْبَد، إنما نتكلم عن الدعاء، هل يتوجهون إليه ويدعونه؟
طالب: إي نعم.
طالب آخر: (...).
الشيخ: أعوذ بالله! هذا يقول: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ [الأنفال: ٣٢]؛ يعني إن كان هذا باطلًا (...) أبطل منه.
قبر رجل صالح فعبده، ثم هذا الباب له صلة بما قبله وهو (أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تُعْبَد من دون الله) يعني يؤول الأمر بالغالين إلى أن يعبدوا هذه القبور أو أصحابها.
وقوله: (تُعبد مِنْ دون الله)، أي من غيره وهو شامل لما إذا عُبِدت وحدها، أو إذا عُبِدَت مع الله؛ لأن الواجب في عبادة الله إفرادها، فإذا قُرن بها غيره ما صارت عبادة لله، وقد ثبت أن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
وقوله: (الغلو)، معنى الغلو؟ مجاوزة الحد مدحًا أو ذمًّا، والمراد هنا مدحًا ولَّا ذمًّا؟ مدحًا. وقوله: (في قبور الصالحين)، يشمل الأولياء والأنبياء بل ومن دونهم.
وقوله: (أوثانًا)، جمع (وَثَن)، والوَثَن كل ما اتُّخِذ معبودًا سوى الله فهو وثن بخلاف الصنم، فإن الصنم تِمثال ممثل، والوَثَن أعم.
طالب: الوثن لا يدخل (...) الصورة أما التمثال فيدخل فيه الصورة؟
الشيخ: التمثال هو الصنم، كل صنم فهو وَثَن، وليس كل وَثَن صنمًا.
طالب: الصورة (...)؟
الشيخ: لا، ما تدخل، الصنم ما عُبِد من دون الله على شكل تمثال.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: («اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ). وهذا تقدم الكلام عليه (...)، ولكن لو علمت (...)، والآن أناقشكم في هذا، ما هي القرينة أو المناسبة بين الجملة الأولى في الحديث والثانية؟ قال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ». ثم قال: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ» المناسبة بين الجملتين؟
طالب: أن العبادة عند قبر رجل صالح أو عبادة هذا القبر لا تجوز، فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ربه ألا يجعل قبره وثنًا يُعْبد..
الشيخ: السؤال الآن: وجه المناسبة بين الجملة الأولى والثانية؟
الطالب: لأن غضب الله..
الشيخ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» و: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ».
الطالب: لأن غضب الله اشتد على أناس اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فسأل الرسول ربه ألا يجعل قبره وثنًا يُعْبد.
الشيخ: ذكرناها.
طالب: في قوله: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (...).
الشيخ: وسيلة.
طالب: وسيلة إلى عبادتهم.
الشيخ: إلى عبادتهم إي نعم (...).
طالب: نقول مثلما قال (...).
الشيخ: إي، لا، هذا (...) السبب؛ لأن اتخاذها مساجد يؤدي إلى عبادتها.
قوله: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ» في الحديث إثبات الغضب لله، هل الغضب حقيقي ولَّا هو مجاز عن الانتقام؟
طالب: لا، حقيقي ولكن لا يُشبِه غضب المخلوقين.
الشيخ: حقيقي، ولكن لا يشبه غضب المخلوقين، لا في حد ذاته ولا في آثاره. قوله: لا في حد ذاته كيف (...)؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، في حد ذاته يعني الغضب لا يُشبِه عضب المخلوق، لا في ذات الغضب، ولا في آثار الغضب؟
طالب: أن غضب المخلوق (...)، أما غضب الله فلا يشبه (...).
الشيخ: إي نعم؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، ولا في آثاره؟
طالب: (...) أيضًا الآثار المترتبة على الغضب (...).
الشيخ: كيف ذلك؟
طالب: يعني غضب المخلوق معروف آثاره.
الشيخ: وغضب الله معروف إذا غضب انتقم.
طالب: غضب الله لا يُشبه غضب المخلوق.
الشيخ: نعم.
طالب: لأن غضب المخلوق قد يؤدي إلى ظلم الآخرين، أو التعدي، وغضب الله ما يؤدي إلى (...).
الشيخ: نعم، وذكرنا غضب المخلوق يؤدي إلى سوء التصرف، ما هو ظلم الآخرين، لا يظلم أحدًا، هو نفسه مثلًا يكسر ماله، يخرب سيارته، يُطلِّق زوجته ولَّا لا؟ لكن غضب الله ما يتأتى فيه هذا الشيء؛ لأن فعل الله كله مقرون بالحكمة التي هي ضد السفه، أما غضب المخلوق فإنه يقرنه السفه كثيرًا؛ ولهذا حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منه لما قال: أوصني قال: «لَا تَغْضَبْ» .
من الذين فسَّروا الغضب بالانتقام؟ وهل تفسيرهم صحيح؟
طالب: الذين فسَّروا الغضب بالانتقام هم الأشاعرة.
الشيخ: نعم، الأشعرية، وهذا ليس بصحيح، ليش؟
طالب: لأن الانتقام هذا أثر من آثار الغضب كما قال تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] فأثبت الغضب وأثبت الانتقام.
الشيخ: نعم، والشرط غير المشروط، صح؟
طالب: غضب المخلوق (...).
الشيخ: لا (...).
طالب: الله سبحانه وتعالى لا يحتاج لغَضَب للانتقام هو خلاف المخلوق.
الشيخ: إي نعم، لكن الانتقام هذا غير الانتقام هذا، انتقام هذا انتقام مقرون بالحكمة؛ انتقام الله عز وجل، ووضع الشيء في موضعه، انتقام المخلوق قد تفارقه الحكمة.
طالب: (...).
الشيخ: (...) الغضب موجود لكن لا يشبه هذا هذا.
قال: (ولابن جرير بسنده، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد)، ابن جرير هو محمد بن جرير الطبري، الإمام المشهور في التفسير، وتفسيره أصل التفسير بالأثر هو تفسير ابن جرير، وهذا التفسير مرجع لجميع المفسرين بالأثر، والعجيب أني رأيت من بعض المتأخرين الجهال في الحقيقة هم يقولون: إنهم علماء وهم جُهَّال، يُحذِّرون من تفسيره؛ لأنه مملوء -على زعمهم- بالإسرائيليات، فيُحذِّرون الطلبة من ذلك، ويقولون: عليكم بتفسير الكشاف وما أشبه ذلك، هؤلاء خطيرون عندنا؛ لأنهم لجهلهم بفضل التفسير بالآثار عن السلف واعتدادهم بأنفسهم وإعجابهم بآرائهم صاروا يقولون هذا الرأي، وإلا فإنه مرجع لجميع المفسرين بالأثر، صحيح أن الكتاب لا يخلو من أشياء ضعيفة وكأنه رحمه الله يريد أن يجمع ما رُوِي عن السلف من الآثار في تفسير القرآن الكريم ويدع للقارئ الْحُكم عليها بالصحة أو بالضعف بحسب تتبع رجال السند.
وهذه طريقة جيدة من وجه، وليست جيدة من وجه، فمن وجه أننا نجمع الآثار الواردة حتى لا تضيع، وربما تكون طرقها ضعيفة، ويشهد بعضها لبعض فهي من هذه الناحية جيدة، ومن ناحية أن الإنسان القاصِر في العِلْم ربما يخلِط الغَثَّ بالسمين، ويأخذ بهذا؛ وبهذا فيكون ضارًّا لكن مَنْ عَلِم طريقة الرجل عَرَف وراجع مثلًا إذا أشكل عليه الشيء يراجع رجال السند، ويشوف أحوالهم وعن تَكَلُّم العلماء فيهم.
ثم الرجل أيضًا مع كونه يفسر بالأثر له أيضًا تفسير بالرأي؛ بمعنى التفسير العقلي، ولا سيما ما يعود إلى اللغة العربية؛ ولهذا دائمًا يرجح الآراء، ويستدل عليها بالشواهد الواردة عن العرب، وكذلك الشواهد الواردة في القرآن، وهذا معروف لمن عَرَف هذا التفسير، إنما التفسير عمدة لكل المفسرين بالأثر، أما هو من الناحية العلمية الفقهية فهو رجل مجتهد، لكنه رحمه الله سلك طريقة خالف غيره فيها بالنسبة للإجماع، فصار لا يعتبر خلاف الرجل والرجلين، وينقل الإجماع لو ثبت خلاف من رجل أو رجلين، ولا يبالي بهم.
هذه طريقته، وهذه طريقة في الحقيقة تُؤخذ عليه؛ لأن الإجماع لا بد أن يكون من جميع أهل العلم المعتَبرين في الإجماع، هو قد يكون الحق مع هذا الواحد المخالِف، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: فكوننا ما نعتبر هذا فيه نظر، وعلى كل حال فهو رحمه الله يقول المؤلف عنه: (إنه روى بسنده، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد).
سفيان عندنا من المشهورين بهذا الاسم رجلان، مَنْ هما؟
طالب: الثوري وابن عيينة.
الشيخ: سفيان الثوري وابن عيينة أيهما؟
الطالب: الثوري.
الشيخ: طيب بأي طريق نعرف أنه الثوري أو ابن عيينة؟
طالب: (...).
الشيخ: ذكرنا فيما سبق أن المبهم يمكن الوصول إلى تعيينه بمعرفة شيوخه وتلاميذه، هنا يقول بالشرح: إن الظاهر أنه سفيان الثوري.
عن مجاهد، مجاهد بن جبر المكي، أحد المشهورين، بل هو إمام المفسرين من التابعين، إمام أهل التفسير من التابعين؛ لأنه رحمه الله يقول: إنه عرض المصحف على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته، فما تجاوز آية إلا وقف عندها يسأله عن تفسيرها.
وابن عباس لا حاجة إلى أن نقول: إنه إمام في التفسير فهو إمام في التفسير، وله فيه كلام كثير، فهو مجاهد يقول في تفسير قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم: ١٩]، أَفَرَأَيْتُمُ، الهمزة هنا للاستفهام، والمراد به التحقيق، والخطاب لعابدي هذه الأصنام، أفرأيتم أيها العابدون لهذه الأصنام، هذه الأصنام اللات والعُزَّى إلى آخر هذه الآية ذكرت بعد قوله تعالى: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: ١٨].
لما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة المعراج؛ لأن قصة الإسراء والمعراج ذكرت في القرآن الإسراء في أول سورة (سبحان)، والمعراج في أول سورة (النجم)، لما ذكر الله ما حصل في هذا المعراج من الآيات العظيمة قال: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم: ١٨، ١٩]، ما نسبة هذه الأصنام لهذه الآيات العظيمة التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة.
قوله: (اللَّاتَقال: كان يلت لهم السَّوِيق فمات فعكفوا على قبره)، وهذا على قراءة اللَّات بالتشديد اسم فاعِل، من لَتَّ يَلِتُّ فهو لاتٍّ، أما على قراءة التخفيف فوجهها أنها خُفِّفت لتسهيل الكلام؛ يعني حُذِف منها التضعيف تخفيفًا.
وقد سبق أنهم قالوا: إن اللات من أين؟
طالب: (...).
الشيخ: من الإله، فعليه يكون هذا أصل الرجل يلتُّ السَّوِيق للحاج، فلما مات عظَّموه وعكفوا على قبره، ثم جعلوه إلهًا، وجعلوا التسمية الأولى مقترنة بالتسمية الأخيره، فيكون أصله من لت السويق، ثم حولوه من ذلك إلى أن جعلوه من الإله، وهذا على قراءة التخفيف اللَّات أظهر منه على قراءة التشديد، التشديد تُرجح أن أصله رجل يَلِت السويق، والتخفيف ترجح أنه من الإله.
وأيًّا كان فهذا الصنم صار صنمًا كما هو ظاهر سياق المؤلف؛ لأنهم غلو في قبره أولًا، وقالوا: هذا الرجل الْمُحسِن الذي يحسن إلى الناس ويلت السويق لهم، ويطعمهم إياه، ثم بعد ذلك؟
طالب: عبدوه.
الشيخ: عبدوه فصار الغلو في القبور، يصيرها في النهاية أوثانًا تُعْبد من دون الله، وفي هذا التحذير من الغلو في القبور والمغالاة فيها؛ ولهذا نهي عن تجصيصها والبناء عليها والكتابة عليها خوفًا من هذا المحظور العظيم الذي يجعلها تُعبد من دون الله؛ ولذلك إما يبعث الرسول عليه الصلاة والسلام عليه الأمراء، أنه إذا بعثهم لا يدعون قبرًا مُشْرِفًا إلا سوَّوه؛ لأن هذا القبر الْمُشرِف المميز عن غيره لعله مع طول الدهر يقال: لماذا مُيِّز؟ لولا أن له ميزة ما صار يختلف عن غيره من القبور.
فالذي ينبغي أن تكون القبور متساوية ما يُخصُّ أحد بشيء منها.
طالب: (...).
الشيخ: هذا المعنى العربي يمكن؛ لأن الفروق بمادة الكلمة موجودة في هذا وهذا.
طالب: (...).
الشيخ: (...) على كلام المؤلف أصلها العزيز مُذكر؛ يعني كلها ترجع إلى العزة، وقد سبق لنا أن (...) أهل العربية أن الاشتقاق من المصدر لا من الفعل.
طالب: السَّوِيق ما هو؟
الشيخ: السَّوِيق أحسن شيء الظاهر أنه يعرف بتقديمه إلينا.
طالب: (...).
الشيخ: السويق الشعير يُحَمَّر، ثم يُطحن، ثم يخلط بتمر، أو شبهه ويؤكل.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
طالب: عندنا السَّوِيق الدخن يا شيخ.
الشيخ: الدهن.
الطالب: الدخن.
الشيخ: الدخن بدون أي شيء؟
الطالب: بسمن.
الشيخ: يعني يُطبخ بسمن؟
الطالب: لا ما يُطبخ، يلت.
الشيخ: يحمر؟
الطالب: لا، ما يحمر (...).
الشيخ: (...).
الطالب: (...).
الشيخ: عجيب (...) ولا يحمر؟!
طالب: (...).
الشيخ: على كل حال هو المعروف عندنا أنه الشعير، والظاهر أيضًا أن غير الشعير يصلح، لكن هم يختارون الشعير؛ لأنه أرخص؛ ولأنه ألطف، والشعير له فوائد عظيمة.
طالب: أو ما يعرف الدخن.
الشيخ: ما يعرفه؛ لهذا يمكن يطالبكم أنكم تسووا له دخنًا علشان يشوفه.
طالب: (...).
الشيخ: (...) إن شاء الله (...).
قال: (كان يلت لهم السَّوِيق فمات فعكفوا على قبره)، يعني ثم عبدوه وجعلوه إلهًا مع الله، والعياذ بالله.
(وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يَلِتُّ السويق للحاج ). والغريب أن الناس في جاهليتهم يُكرمون حُجاج بيت الله، هل سواء لله أو لغير الله؟ المهم أنهم يكرمونهم، يلتون لهم السويق، وكان العباس أيضًا يسقي لهم من زمزم، وربما يجعل في ماء زمزم نبيذًا يُحلِّيه زبيبًا أو نحوه، في الوقت الحاضر صار الناس بالعكس يستغلون الحجاج غاية الاستغلال والعياذ بالله حتى يبيعوا عليهم ما يساوي ريالًا بريالين أو أكثر حسب ما يتيسر لهم والعياذ بالله، وهذا في الحقيقة خطأ عظيم؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج: ٢٥]، فكيف بمن يفعل للحاج؟
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ»). القبورَ ولَّا القبورِ؟
طالب: القبورِ.
الشيخ: (وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجُ . رواه أهل السنن).
طالب: (...).
الشيخ: أيهم؟
طالب: القبورَ.
الشيخ: زائرات القبورَ؟!
طالب: القبورَ.
الشيخ: لا، الصحيح الكسر؛ لأنها مضاف إليه.
قوله: لعن، اللعن بمعنى الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعنى لعنهم أي: دعا عليهم باللَّعْن، وقوله: زائرات القبور، زائرات جمع (زائرة)، والزيارة معناها الخروج إلى المقابر، وهي أنواع: منها ما هو سُنَّة، ومنها ما هو بِدْعة، ومنها ما هو شِرْك.
لكن الكلام على قوله: زائرات يعود على النساء، وزائر اسم فاعِل يصدُق بالمرة الواحدة، وفي حديث أبي هريرة: لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ . زوارات بتشديد الواو؛ وهي صيغة مبالغة تدل على كثرة الزيارة.
وقوله: «الْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ»، هذا الشاهد من الحديث، المتخذين عليها؛ يعني الذين يضعون عليها مساجد والسُّرُج، وقد سبق أن اتخاذ المساجد على القبور له صورتان؛ الصورة الأولى.
طالب: الصلاة عندها.
الشيخ: الصلاة عندها، أن يتخذها مصلى يصلي عندها، والصورة الثانية؟
طالب: يبني عليها.
الشيخ: أن يبني عليها المساجد.
وقوله: (السرج) جمع (سراج) يوقد عليها السُّرُج ليلًا ونهارًا تعظيمًا لها وغُلُوًّا فيها.
هذا الحديث يدل على تحريم زيارة القبور للنساء بل على أنه من كبائر الذنوب؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب، ويدل أيضًا على تحريم اتخاذ المساجد والسُّرُج عليها ولَّا لا؟ لأنه لُعِنَ فاعله؛ فهو كبيرة من كبائر الذنوب.
أين المناسبة في هذا الحديث للباب؟
لأن اتخاذ المساجد عليها وإسراجها غلو فيها، فيؤدي بعد ذلك إلى عبادتها.
ما هي الصلة بين الجملة الأولى والثانية؟ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج؟
الصلة بينهما ظاهرة؛ لأن المرأة لرقة عاطفتها، وقلة تمييزها، وضعْف صبرها، ربما تعبد أصحاب القبور تعطفًا على صاحب القبر؛ لأنها ضعفية؛ فلهذا قرنها بالمتخذين عليها المساجد والسُّرُج.
هنا المتخذين عليها المساجد، هل يدخل في ذلك ما لو وُضِعَ في المقبرة كهرباء لإنارتها؟
طالب: (...).
الشيخ: يعنى مثلًا الناس في الليل ما يشوفون، بيحطون لهم مثلًا بيوقفوا لهم عمودًا وفيه لمبات. نقول: أما في المواطِن التي لا يحتاج الناس إليها مثل لو كانت المقبرة واسعة، وفيها مكان قد قبر فيه وانتهى الناس من الدفن فيه فلا شك أنه لا حاجة ولا داعي إلى إسراج هذا المكان الذي قد فُرغ منه، أليس كذلك؟
إذا كان الإسراج عند المكان الذي يُدْفن فيه، فيه قبور مثلًا محفورة ويُسْرج ما حولها، فهذه قد يقول قائل: إنه يجوز فعلها؛ لأنها لا تُسرج إلا بالليل، فليس في ذلك ما يدل على أنها تُسرج تعظيمًا للقبر، بل اتُّخذت للحاجة.
ولكن مع ذلك الذي نرى أنه ينبغي المنع مطلقًا؛ أولًا: لأنه ليس هناك ضرورة، والثاني: أن الناس إذا وجدوا ضرورة في ذلك، فعندهم -والحمد لله- سيارات ممكن يوقدون اللمبات اللي فيها، وتبين لهم الأمر، ثم إنه يمكنهم أن يحملوا سُرُجًا معهم كما كانوا يفعلون في الزمن السابق، وأيضًا إذا فُتِح هذا الباب فإن الشر يتسع في قلوب الناس ولا يمكنهم ضبطه فيما بعد، افرض أنه مثلًا جاؤوا في الصباح بعد صلاة الفجر ودفنوا الميت من الذي يتولى قفل هذه الشموع أو هذه الإضاءة؟ تترك، ثم يبقى كأنها متخذًا عليها المساجد (...) السرج.
فالذي نرى أنه يمنع نهائيًّا، أما إذا كانت المقبرة حُجرة (...) فيها اللَّبِن وما أشبه ذلك، ووُضِع في نفس الحجرة لمبة فهذه لا بأس بها؛ لأنها بعيدة من القبور، ثم هي داخلة أيضًا ما تُشاهَد، هذا نرجو ألا يكون به بأس.
والمهم أن وسائل الشِّرْك يجب على الإنسان أن يبتعد منها ابتعادًا عظيمًا، ولا يُقَدِّر للزمن الذي هو فيه الآن، يُقَدِّر للأزمان البعيدة؛ لأن المسألة ليست بالهينة.
في هذا الحديث ما يدل على تحريم زيارة النساء للقبور، وأنها من كبائر الذنوب، والعلماء اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تحريم الزيارة، بل كونها من كبائر الذنوب؛ لهذا الحديث.
والقول الثاني: كراهة الزيارة؛ بمعنى أنه يُكْرَه كراهةً لا تصل إلى التحريم، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد عند أصحابه أنه تُكره للنساء زيارة القبور.
والقول الثالث: أنها تجوز للنساء، يجوز للنساء زيارة القبور.
ورأيت قولًا رابعا: لكن شيخ الإسلام يقول: ليس عليه أحد من الأئمة؛ أنه يُستحب للنساء زيارة القبور كما يُستحب للرجال، لكن شيخ الإسلام يقول: لم يقل بذلك أحد من الأئمة؛ أن النساء يُستحب لهن زيارة القبور كما يُستحب للرجال، وأن هذا ليس معروفًا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أن النساء يخرجن للمقابر كما يخرج الرجال.
حُجَّة القائلين بأنه مُحَرَّم، ومن كبائر الذنوب هذا الحديث الذي معنا: «زَائِرَات الْقُبُورِ»، وحُجَّة القائلين بالكراهة يقولون: إن هذا لعن زائرات القبور، وفيه أمر بزيارة القبور، أمر من النبي عليه الصلاة والسلام: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» . قالوا: فزوروها هذا عامٌّ للرجال..